الجمعة، 28 أكتوبر 2016




ذكرياتي 
مع الشيخ عبد الرحمن بن علي الصغير رحمه الله
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين... وبعد

 بعد وفاة الشيخ عبد الرحمن بن علي الصغير عزمت أن أكتبَ بعضاً مما عرفتُهُ عن فضيلته من أخلاقٍ كريمةٍ، وسجايا حميدة، تخلَّق بها الشيخُ طيلة حياته، وتأثر بها من عرفه؛ وكذا جهوده في الدعوة إلى الله عز وجل من خلال حضوري لدروسه - رحمه الله - في سنوات مضت في جامع العزيزية (الأمير سلطان بالخرج)، وهو جزء من حقوق الشيخ رحمه الله على تلاميذه ومحبيه؛ ليتأسى ويقتدي به الناس والدعاة إلى الله عز وجل.

كانت الصلاة على الشيخ عبد الرحمن عقب صلاة العصر من يوم الخميس الموافق25/11 /1433هـ بجامع الراجحي، ودفن بمقبرة النسيم بمدينة الرياض، وبعد أيام من وفاةِ الشيخ اتصل بي الأخُ الفاضل محمد بن غازي الحربي -أحد جيران الشيخ وجلسائه والمرافقين له في بعض أسفاره- يخبرني مبشرا وناقلا عن أحد أبناء الشيخ عبارة الشيخ عبدالرحمن التي كان يرددها قبل وفاته، عند نقله إلى المستشفى قبيل أذان الفجر، حيث كان يردد: (اللهم أنت السلام ومنك السلام ).

بعد سماعي لذلك الذكر الذي ختم به الشيخ حياتَه، واستقبل به آخرته، تأثرت لهذه الخاتمة وفرحتُ واتجهت إلى مكتبتي الخاصة؛ استرجع بعضا من ذكرياتي مع الشيخ رحمه الله، أبحث عن أول كتابين من كتب العلماء عرفتهما في حياتي؛ أبحث عن تفسير ابن كثير وفتح الباري، فوجدت واحداً منهما وهو فتح الباري، وأما تفسير ابن كثير فلم أجده، فتذكرت أنني سافرت به، وقبل رجوعي أهديته مع بعض الكتب لإحدى المكتبات هناك.

أغلقت عليَّ باب مكتبتي، وجلست بمفردي، وأخذتُ جميعَ مجلداتِ كتاب فتح الباري، وعددها ثلاثة عشر مجلدا - طبعة دار الفكر - وبدأت أتصفح كثيراً من الأوراق، وأقفُ عند كلِّ ورقه بها تعليقٌ أو تاريخٌ مكتوب، فإذا بتعليقات الشيخ على جنبات الكتاب، وكلما فتحتُ مجلداً رجعتْ بي الذاكرة إلى زمن جميل من حياتي، إلى أكثر من عقدين من الزمن، فقد رأيت الكثيرَ من التواريخ في نهاية بعض أبواب كتاب الفتح، وكان أول أو أقدم تاريخ كنت قد كتبته هو: (يوم السبت - الموافق 1/3/1410هـ - كتاب البيوع - المجلد الرابع - ص: 350).

ومن التواريخ أيضا (السبت- 14/6/1413هـ - المجلد 11 - كتاب الدعوات - ص 144)، وفي موضع آخر وجدتُ مكتوباً (الثلاثاء 16/2/1417هـ - الساعة 8:20 دقيقة)، وأظنه وقت أذان العشاء؛ لأن الدرس ينتهي عند أذان العشاء.
لقد كانت دروس الشيخ في يومي السبت والثلاثاء، وكانت الكتب التي تقرأ على الشيخ هما (تفسير ابن كثير ، وفتح الباري)، في جامع الأمير سلطان رحمه الله - العزيزية سابقا.

لقد اتصف الشيخ رحمه الله بأخلاق جميلة، وخصالٍ حميدة، يشهد بذلك كلُّ من عرفه، لكن ماذا عساي أن أقول عن الشيخ؟ وبم أبدأ؟ ومن أين؟


** ابتسامةُ الشيخ وطلاقة وجهه:

سأبدأ بابتسامة الشيخ المعهودة التي تعلو محياه عند استقباله لتلاميذه وضيوفه، بل كان لصغار السن من الأطفال النصيب الكبير من تلك الابتسامة؛ فكثيرا ما كان يداعبهم وهو يبتسم لهم، ثم عندما يأنس الطفل ويرتاح للشيخ يسأله بعضَ الأسئلة في العقيدة - التي تناسب أعمارهم - وكم كانت فرحته عندما يجيب الطفل!

إنك عندما تقابل الشيخ في أي موقع ترى ابتسامةً عريضة تملأ وجهه؛ تشجع الكبار على السؤال في أمور دينهم، وتمنح الشباب الثقة والطمأنينة، فيكشفوا بعضاً من معاناتهم وأسرارهم للشيخ، فيقف معهم ويساعدهم ويأخذ بأيديهم، ولا أُذيع سِرَّاً إن قلتُ أنَّ كلَّ من يلتقي الشيخ يظن أنه هو المقدم عنده، وصاحب الحظوة لدىيه بسبب تلك الابتسامة التي يقابل بها الآخرين!

** زهدُ الشيخِ وتواضُعه:

كم كان الشيخ عبدالرحمن زاهدا متواضعا في هيئته ولباسه، لكنه والله كان يمثل الجمالَ بمعناه الحقيقي؛ بما يحملـه من العلم والأدب، وحسن المعاملة، والدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وكأنـه يقـول للناس... 

ليس الجمال بأثواب تزيننا    إن الجمال جمال العلم والأدب

** وفاءُ الشيخِ وحفظه للجميل:

كلما عدتُ بذاكرتي بعيدا إلى تلك السنوات الجميلة؛ لأسترجع بعضاً مما كان يتصف به الشيخ رحمه الله من جميل السجايا أتذكر وفاءه، وما أجمل وفاء الشيخ؛ ترى ذلك عندما يقابلك بعد غيبة فيسأل عن فلان بن فلان، ثم يقول كان لذلك الرجل موقف معي لا يمكن أن أنساه، ثم تنساب الدعوات من الشيخ وهو يرفع يديه، وفي أحيان كثيرة ينحرف مستقبلا القبلة، متمثلا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من صنع إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تجدوا فصلوا عليه) أي: ادعوا له.

وجربنا و جرب أوَّلونا   فلا شيءٌ أعز من الوفاء.


وكيف لا يحب الشيخُ الوفاءَ وهو يعلم أن إمَامَه محمداً صلى الله عليه وسلم كان المثلَ الأعلى والقدوةَ في الوفاء وحفظ الود، ليس مع المسلمين فقط بل حتى مع غيرِ المسلمين ممن لم يحارب الدعوة ؟ فقد وقـف عليه الصلاة والسلام ينظر إلى سبعين من أسرى المشركين يوم بدر فيقول (لو كان المطعم بن عدي حياً ثم كلمني في هؤلاء الأسرى لتركتهم له) لماذا ؟ لأنه صلى الله عليه وسلم تذكر موقف المطعم بن عدي معه يوم أجاره بعد رجوعه من الطائف؛ حيث دخل يمشي بجانب النبي صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام، يحيط به أبناؤه السبعة ليعلن لقريش أن محمدا في جواره، فتوقفت قريش عن إيذاء المصطفى صلى الله عليه وسلم حتى هاجر للمدينة... قال حسان يمدح المطعم بن عدي:

فَلَوْ كَانَ مَجْدٌ يُخْلَدُ الدّهْـرَ وَاحـدًا   مِنْ النَّاسِ أَبْقَى مَجْدُهُ الْيَوْمَ مُطْعِمَا

أَجَرْتَ رَسُولَ اللّهِ مِنْهُمْ فَأَصْبَحُوا   عَبِيــدَك مَا لَبّـــى مُهِـــلّ وَأَحْرَمَا


** صبرُ الشيخِ وتحمُّله الأذى:

صبرُ الشيخِ رحمه الله يظهر جليا في تحمُّلهِ الأذى واحتساب ما يصيبه عند الله وهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وكم من شخصٍ أخطأ على الشيخ بالقول أو الفعل فانصرف الشيخ وهو يدعو له لا يزيد على ذلك، فلا تمر سويعاتٌ أو أيامٌ قليلة إلا ويأتي ذلك الرجل يطلب العفو والصفح من الشيخ، وقد اغرورقت عيناه بالدموع، فيبتسم الشيخُ في وجهِهِ ويصافحه، وقد يصطحبه لمنزله، إنه التطبيق الفعلي لما تعلمه الشيخ، إنها المعاملة التي تعني الدِّينََ كلَّه.

إِنّي رَأَيتُ وَفي الأَيّامِ تَجرِبَةٌ     لِلصَبرِ عاقِبَةٌ مَحمودَةُ الأَثَرِ

لقد كان الشيخ يتعرض للأذية، وهذا أمر طبيعي لمن يدعو إلى الحق، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر لكنه كان يخفي كثيراً مما يصيبه - وهذا الأمر يعرفه أبناؤه والقريبون للشيخ - ومن المواقف في ذلك أنه كان يؤم المصلين في جامع الأمير سلطان رحمه الله - العزيزية سابقا - وكان قد تم تهيئةُ مكان مكشوف في غرب الجامع؛ لأداء الصلوات الجهرية أثناء اعتدال الجو، وفي أثناء أداء الصلاة رُمِي َالشيخُ ببيضةٍ، فوقعت على رأسِه، وسالت على وجهه، وبعد نهايةِ الصلاة لم يلتفت الشيخ مباشرة؛ ليمسح الأثرَ وهو في مكانه، ثم التفت إلى المصلين وقد لفَّ غترتَه على جزءٍ من وجهِهِ؛ لإخفاء ما قد يظهر على وجهِهِ، وأكمل الشيخُ الأذكار ولم يُخبِر أحداً بما حصل له، ولم يتنَّبه المصلون لذلك إلا من كان قريباً منه، فقد رأى بعضا من أثر البيض. 

إن الشيخ بهذا الصبر يتمثل سيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيستصغر ما أصابه؛ فإن نبي الهدى صلى الله عليه وسلم قد أصابه أعظم من ذلك حينما انبعث أشقى قريش - عقبةُ بنُ أبي معيط - بتشجيع عددٍ من زعماء الشرك في مكة، فأخذ سلا الجزور فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فلما سجد وضعه بين كتفيه، فسخر الحاضرون من صناديد قريش لهذا المنظر، وجعل بعضهم يميل على بعض من شدة الضحك، فانطلق إنسان فأخبر فاطمة رضي الله عنها فجاءت وهي جويرية فطرحته عنه صلى الله عليه وسلم، فاستقبلهم صلى الله عليه وسلم فدعى عليهم، قال عبدالله بن مسعود رضي الله عنه في أولئك النفر من صناديد قريش (فأشهد بالله لقد رأيتهم - بعد نهاية معركة بدر- صرعى قد غيرتهم الشمس، وكان يوماً حاراً)، يقول حسان بن ثابت رضي الله عنه يصف قتلى المشركين وهم يُسحبُون، ويُلقَون في طَويٍّ خبيثٍ مُخبِث من أطواءِ بدر:

يُنَادِيهـم رَسُــــولُ الله لمَّــــا     قَذَفنَاهُـمْ كَبَاكِبَ فِي القَلِيــــبِ
أَلَمْ تَجِـدُوا كَلَامِي كَانَ حَقَّــا     وَأَمْرُ اللّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُـــــــــوبِ؟

فَمَا نَطَقُوا وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُـوا     صَدَقْتَ وَكُنْتَ ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ

وإني لأُحدِّثُ نفسي أحياناً كيف يمكن للشيخ عبدالرحمن رحمه الله أن يكون بهذه النفس الراضية بما أصابها من الأذى، ومن التسامح، والدعاء لمن آذاه؟ إلا أن يكونرحمه الله قد وجد لذةً وراحةً لما يصيبه في سبيل الله بتشبُّهِهِ بالمصطفى صلى الله عليه وسلم!

** الشيخ وحقوق الجار:

من المواقف التي لا زالت عالقة في مخيلتي، وعلمتني الكثير فيما يجب في حقِّ الجار ووجوب تحمله، والصبر على أذاه، أننا كنا في أحد الأيام بعد صلاة العصر في مجلسه رحمه الله؛ التي تُطل نوافذُهُ على الشارع، فضُرِبت نافذةُ المجلس بحجرٍ ضربةً قوية، أحدثت صوتاً مُزعجاً تضرَّر منه جميـعُ من في المجلس، فقام بعضُ أبناءِ الشيخ مسرعين يريدون الخروج كردَّةِ فعلٍ لما حدث، فما كان من الشيخ إلا أن أمر أبناءه بالرجوع والجلوس، وأمر بإكمالِ القراءة، وكأن الشيخ يخاطبنا جميعا ويقول بلسان حاله ألم تقرؤوا حديثَ نبيِّكُم صلى الله عليه وسلم ( ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه).
رحمك الله يا شيخ عبدالرحمن فقد كان لتعاملك وسلوكك المبني على توجيهات الكتاب والسنة أبلغ الأثر في تصرفاتِ وسلوك أولادك وطلابك ومحبيك.
لقد أحسن الشيخُ إلى جيرانه، ووسعهم بأخلاقه؛ طلباً لجِوارِ الحبيبِ صلى الله عليه وسلم في الجنة، القائل: ((أقربكم مني منزلا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا)).
اطلب لنفسك جيراناً تجاورُهم   لا تصلحُ الدّارُ حتّى يصلُحَ الجارُ


وقد حضر الشيخ رحمه الله الصلاة على رجل من جيرانه وتبع جنازته، فلما انتهوا من الدفن وخرج الناس، وإذا بالشيخ يرى ابن المتوفى - بعد خروجه من المقبرة - يضع المشلح ( البشت ) الذي كان يُغطَّى به والده بجوار باب المقبرة من الخارج - جهلا من الابن - فيمر الشيخ بذلك البشت، وينفضه من الغبار، ويأخذه معه، فلما ذهب لتعزية جيرانه أعطى البشت لابن المتوفى، وأخبره أنه من الميراث، لا يحق لأحد أن يتصرف به إلا بإذن الورثة.  

لقد أحبَّ الشيخَ جيرانُهُ في الحي حُباً كبيراً، وارتبطوا به وقدموه؛ لما اتصف به من صفات كريمة وسجايا رفيعة، ولن أنس حادثةً -قبل عقود من الزمن- تدل على محبة الناس للشيخ، وإيثارهم له،عرفتها من الشيخ شخصيا فيما بعد، فقد سألني عن أحد جيرانه سابقا - في حي العزيزية - فلما أخبرتُهُ بوفاته تأثر الشيخ، وأخذ يدعو له، فلما انتهى قال لي (أن هذا الرجل كان له موقف لا أنساه، فقد علِمَ بنيتي بترك الحي وإخلاء السكن - لقلة ذات اليد - في ذلك الوقت، فوقف معي بماله، وصبر عليَّ في  السداد بعد ذلك) أ.هـ.

** الشيخ والغيرة على الأعراض:

لقد كان الشيخ حريصا على حماية الأعراض وصونها، مشفقا على المرأة لضعفها؛ رحيما بالشباب وناصحا لهم، فكان كثيراً ما يذهب للأسواق؛ يوجه وينصح، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وفي هذا الباب ذكر لي أحد الإخوة أن مقاولاً من دولة عربية أتى بزوجته وأسكنها في شقة استأجرها في حي العزيزية - الحي الذي يقيم فيه الشيخ - ثم حصلت لذلك المقاول مشكلةٌ ماديةٌ وتم توقيفه، ولما علم الشيخ تألم لحال الزوجة المسكينة، فذهب للجهة المختصة وشفع لإخراج ذلك الرجل، فأخبروا الشيخ بقضيته، وعدم إمكانية إخراجه، فلم يزل الشيخ يسعى بين الجهات المختصة مؤكدا صعوبة بقاء تلك الزوجة المسكينة في بيتها بمفردها، ولم يرجع الشيخ إلا وبصحبته ذلك الرجل؛ لتسعد زوجتُه، وتعيشَ  الأمنَ والطمأنينة بجوار زوجها.

** القبول الكبير للشيخ عند الناس:

يُجمِع الكثيرُ على القبول الكبير الذي حظي به الشيخ عند الناس؛ سواء كانوا رجالا أو نساءً أو أطفالا، وكذا من الأمراء والوجهاء والمسئولين، من أهل البادية ومن أهل الحاضرة، وعندما أرى هذا الإجماع أتذكرُ حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا نَادَى جِبْرِيلَ، إِنِّي أُحِبُّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ، فَيُحِبُّهُ جِبْرِيلُ، فَيُنَادِي جِبْرِيلُ فِي أَهْلِ السَّمَاءِ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ، قَالَ: فَيُحِبُّهُ أَهْلُ السَّمَاءِ، ثُمَّ يُوضَعُ لَهُ الْقَبُولُ فِي الْأَرْضِ)، لقد كان قبول الناس - على اختلاف منازلهم - للشيخ عبدالرحمن أمرا مشاهداً على مستوى المحافظة؛ فكان الرجل يأتي من البادية يبحث فقط عن الشيخ ابن صغير، فإذا وجدَه سلَّمَ عليه وقبَّل رأسَه وسأله، ثم انصرف داعياً للشيخ واثقاً من جوابه.
وكان تقديرُ الوجهاء للشيخ أمراً معروفا، واحتفاءُ المسئولين به مشاهدا، وذلك عند زيارته لهم في مكاتبهم؛ لإبداء النصح في بعض الأمور، وقد كان كلامُ الشيخ ونصحُهُ ينضحُ بالرحمة والشفقة، وكان الدعاءُ وقصدُ الخير هو السمة البارزة التي جعلت كلماتِه تصل إلى القلوب، ولقد كان الشيخ اجتماعيا  يشارك الناس في مناسباتهم؛ يحضر أفراحَهم، ويواسيهم في مصابهم، لا يرد دعوة أحد من الناس إلا لمانع، وكان الناس يفرحون بمجيئه، ويستقبلونه ويأخذون بيده حتى يُجلِسوه في صدر المجلس.


** الشيخ وحرصه على السُنَّة:

مما يميز الشيخ تمسكه بمنهج السلف، وحرصه على تطبيق السنة في جميع أحواله؛ في أكله وشربه  وسمته، وصلاته، ولباسه، ونصحه وغيرها... والمواقف في ذلك تطول، ولقد كان الشيخ نعم المعلم والمربي، فالكثيرون يعرفون عن الشيخ رحمه الله:
- حرصه وتوجيهه بالبدء بأمور العقيدة، وتعليم الناس التوحيد.

- النصح لولي الأمر، والدعاء له.

- تحذير الناس من السحرة والمشعوذين، وخطورة إتيانهم.

- الرفق بالمنصوح، والشفقة به، والدعاء له.

- لعق الصحفة بعد تناول الطعام؛ تأسيا بالنبي صلى الله عليه وسلم.

- الجلوس في المصلى بعد صلاة الفجر، وصلاة ركعتي الإشراق.

- محبته لاجتماع الكلمة، والبعد عن النزاع والشقاق الذي يضعف الدعوة، ويفرق بين المسلمين، مع عدم تركه النصح والبيان، بالحكمة والموعظة الحسنة.  


** كرمُ الشيخِ وجودُهُ:

ما أوسع كرم الشيخِ، وما أكثر ولائمه؛ ولكن الروعة ليست في طول السفرة التي يقدمها الشيخ، ولا في اتساعها - وقد شاهدت ذلك مرات عديدة - ولكن الروعة والجمال تكمن في طريقة استقباله المتميز لضيوفه، ومحبيه وتلاميذه وجيرانه ومن يزوره، فكلٌ يقول أنا المقرب من الشيخ اعتمادا على حفاوة الشيخ، وتهلُّلِ وجهِه، وترحيبه، وابتسامته لكل أحد...
تـراه إذا ما جئته متهلـلا       كأنـك تعطيه الـذي أنت سائـله.
وكان الشيخ في مرات عديدة يتناول مع تلاميذه الطعام بعد الدرس، وكان يؤكد على حضورهم ويسعد ويفرح بتواجدهم، ويتحدث معهم، ويبتسم في وجوههم:  

وما الخَصْبُ للأضياف أن يكثرَ القِرَى   ولكنَّما وجهُ الكريمِ خصيبُ

** تواضعُ الشيخ رحمه الله:

من أجمل وأروع ما سمعتُه عن الشيخ ولم أكن أعرفه إلا من خلال القراءة في سيرة الأوائل من سلف الأمة، يقول الأخ محمد بن غازي الحربي - وقد رافق الشيخ في أحـدِ أسفاره، وكان الشيخ يقدره ويحبه محبة كبيرة - يقول: (  وصلنا إلى مكةَ بعد عودتنا من رحلة سفر طولة عائدين للمملكة برَّاً، وقد أخذ منا الجهد والتعب مأخذه، فلما وصلنا إلى السكن كانت الكهرباء (مقطوعة)، لكن لشدة التعب وضعنا رؤوسنا، واستسلمنا لنوم عميق في جوٍّ حار، قال: فلما استيقظتُ فإذا بالشيخ وفي يده قطعة ورق من كرتون يهف بها علينا...)، قمة الإيثار والتواضع التي رفع الله بها الشيخ.

تواضع تكن كالنجم لاح لناظر   على صفحات الماء وهو رفيع

** همةُ الشيخ وجلُدُه:

أما همة الشيخ فقد سمت به فوق هام السحاب، ويكفي مثالا واحدا يوضح بجلاء هذه الهمة التي تتقاصر دونها هممُ كثيرٍ من الشباب، فقد جهز الشيخ رحمه الله في عام 1412هـ سيارة داتسون غمارتين موديل (94)، وكان تخطيطه وهدفه زيارة مصر ثم الانطلاق منها إلى بريطانيا مرورا بالأردن وسوريا وتركيا... على أن يتوقف في هذه الدول بعض الوقت للدعوة، ثم يواصل السير إلى بريطانيا، وكان قبل سفره يراجع وينظر في خارطة - قد أعدها مسبقا - ليتعرف على مراحل سيرهم، وتحديد الطريق الذي سيسلكه للوصول لهدفه، وقد عرض الشيخ على بعض الإخوة مرافقته، فوافق منهم أربعةٌ وهم ( محمد بن علـوش الدوسري (الأمير) - رحمه الله - ومحمد بن غازي الحربي، ومحمد بن سعد المعيذر، وفهد الهزاع)، ولم أحظَ بشرف مرافقتهم؛ لبعض الظروف في ذلك الوقت، وكان يحاضر من على سطح العبارة لساعات، والناس يعجبون بحديثه ويلتفون حوله، ويسألونه ويجيبهم مستشهدا بالقرآن والسنة، وفي أحيان أخرى تراه مع مجموعة من الأجانب يدعوهم للإسلام ويبين لهم- فقد كان يتحدث اللغة الانجليزية -.

وقد كان تاريخ وصولهم إلى  مصر- كما أخبرني الأخ الفاضل محمد المعيذر هو:(12/3/1412هـ) - وقد كانت جُلُّ محاضراتِ الشيخ وكلماتِه وخُطبِه في تلك الرحلة عن العقيدة، وقد حدثني بعض مرافقيه أنه كان يذكِّر الناسَ، ويلقي الكلمات بعد الصلوات الخمس، وأنه ألقى كلمةً في أحد المساجد، جعل يبيِّن فيها للمصلين أهمية التوحيد، ويحاورهم ويناقشهم، ويجيب على أسئلتهم، وقد امتد الوقت حتى دخل وقت صلاة العصر، وهو يرفع المصحف بيمينه، ويقول لهم إذا أتيتكم بدليل من غير هذا الكتاب العظيم فلا تقبلوه.
وقد مكث الشيخ مع الأخوة في مصر قرابة (نصف شهر) كان خلالها يوزع كتب العقيدة التي أتى بها بأعداد كبيرة، ويدعو إلى التوحيد والعقيدة الصحيحة في كل الأوقات؛ في المساجد تارة، وفي المناسبات تارة أخرى، متنقلا بين المحافظات والقـرى؛ يُنذرُ الناسَ ويحذرهـم من الشـرك بالله، ودعـاء الأموات، ولسان حالـه يـردد... 

من يسأل المقبورَ يُشرِك عامداً      ما الشركُ والإيمان يجتمعانِ

كـلُّ الذنوبِ يجوز غُفـرانٌ لهـا      لا يُغفــرُ الإشـراكُ بالـرحمنِ

ولما غادروا مصر باتجاه الأردن، ليواصلوا طريقهم باتجاه بريطانيا... تشاور الإخوة غيما بينهم، ولعلهم قد اشتاقوا للعودة لبلادهم وأهلهم، فأشاروا على الأمير - محمد بن علوش الدوسري رحمه الله - بأن يرجعوا للمملكة، على أن تكون الرحلة لبريطانيا في وقت آخر يُحددُ فيما بعد، فاجتمعوا بالشيخ وعرضوا عليه الأمر، فوافق الشيخ لأن هذا هو رأي الأغلبية.

** تعاملُ الشيخ مع طلابه:

كانت معاملةُ الشيخ لطلابه عجيبة، ومحبته لهم كبيرة؛ فكان حريصا على دعوتهم في المناسبات الصغيرة والكبيرة، وكان يستجيب لدعوتهم في بيوتهم، وكان يُعرِّفُ بهم عند من لا يعرفهم من العلماء والوجهاء تقديرا لهم، وأذكر أنه بعد انتهاء محاضرة للشيخ ابن عثيمين - رحمه الله - في جامع عمر بن الخطاب في حي الخالدية بالخرج - قبل أكثر من عقدين من الزمن - تقدم الناس يسلمون على الشيخ ابن عثيمين، فلما وصل الشيخ عبد الرحمن الوهيبي اقترب الشيخ عبد الرحمن الصغير من الشيخ يعرَّف بالشيخ الوهيبي بصوت مرتفع. 

والمواقف والذكريات مع الشيخ رحمه الله كثيرة؛ يطول سردها، ولا يتسع المجال لذكرها، ولعل أبناءه وطلابه يحتفظون بالكثير من ذلك.
   

رحمك الله أيها الشيخ المجاهد والداعية المربي؛ لقد أحببتَ الناسَ فبادلوك الحبَّ، ودعوتهم للحق في حياتك، فلهجت ألسنتهم بالدعاء لك بعد وفاتك..

رحمك الله فقد أمرت بالمعروف، ونهيت عن المنكر سنينَ طويلة، في الأسواق تارة، وفي المتنزهات أخرى، وعند ملاعب كرة القدم مع أذان المغرب، بلا تعب ولا ضجر، وبأسلوب رقيق وقلب شفيق، فكانوا يستجيبون لنصحك، ويقبِّلون رأسك.

لقد كنتَ تعيش المحبةَ والسلام مع الناس، فكان الجزاءُ من جنس العمل، فكانت تلك الكلمات العظيمة التي لهج بها لسانُك لتودعَ الدنيا بها ( اللهم أنت السلام ومنك السلام ). 


اللهم ارحم شيخنا ووالـدنا، الشيـخ الزاهد الورع الصابر عبدالرحمن بن علي الصغير واغفر له، اللهم احشره مع الأنبياء والشهداء والصالحين، اللهم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، اللهم وكما جمعتنا به في الدنيا على ذكرك، فاجمعنا به في الآخرة في جنتك، اللهم ارفع منزلته، وأحسن إليه، واجزه عنا خير الجزاء، إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا شيخ عبدالرحمن‏ ‏لمحزونون.


(اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام). 

                                         
كتبه/ فهد بن منصور الدوسري
                  خطيب جامع الملك عبد العزيز بالخرج                            
 1/1/1434هـ








السبت، 20 فبراير 2016

سمو صاحب التاكسي


يقول الدكتور علي… بعد أن هبطت بنا الطائرةُ في رحلةِ العودةِ إلى بلدي استلمت حقيبتي وخرجتُ من بوابةِ المطار، وركبتُ إحدى سياراتِ الأُجرة التي كانت متوقفةً في انتظارِ المسافرين، وبعد أن وضعَ السائقُ حقيبتي في شنطةِ السيارة، ركِبَ خلفَ المِقْودِ وتحركتْ السيارة، وكان الزمن ما بين المطار وبين منزلي ما بين الثلث والنصف ساعة بحسب خُلُو الطريقِ وازدحامه.
وفي أثناء الطريق أخذتُ أتجاذبُ أطرافَ الحديثِ مع صاحب التاكسي، فوجدتُ في حديثِه ثقافةً واضحةً، وفي أُسلوبِهِ رصانةً واتِّزَانا، وكنتُ أنظُرُ إليه وهو يتحدث فأرى في قسَمَاتِ وجهِهِ نضارةً، وفي ابتسامتِه رضاً وسعادة، وفي نظرته للمستقبل تفاؤلاً  قلَّ نظيرُه، وكأن هذا السائقُ لا يحمل من هُمُومِ الدنيا شيئاً أبداً، بخلافِ ما تعودناه من أقرانِهِ سائقي سياراتِ الأُجْرَةِ من كثرةِ شكوى وتضجرٍ وتأفف، تسمع ذلك في حديثهم، وتراه بادياً في قسماتِ وجُوهِهم: لما يواجهونه من ضغوطاتِ الحياة ومتاعِبها.
قال الدكتور علي… حقيقةً لقد أدهشني هذا السائقُ وفرضَ عليَّ احترامَه بحُسْنِ مظهرِهِ ونضارةِ وجهِهِ، وأسَرَنِي بحديثِهِ وحلاوةِ منطِقِهِ، فعدَّلتُ في جِلستِي ورتَّبتُ كلامي، وغيَّرتُ نِدائِي له باختيارِ ألفاظٍ فيها من التقديرِ والاحترامِ ما يليق بهذا الرجل.
ولمَّا توسطنا العاصمةَ ونحن في الطريق، نظرتُ للرَّجُلِ وخاطبتُهُ قائلاً له: اصدُقنِي القولَ يا أخي في التعريف بنفسك، فمظهرُك ونضارةُ وجهِكَ وثقافتُك لا تتوافقُ مع صفاتِ صاحبِ سيارةِ أُجرةٍ يكدَحُ من الصَّباحِ إلى الليل!! فنظَرَ إليَّ الرَّجُلُ بابتسامةٍ تُخفِي وراءَها ألفَ حكايةٍ وحكاية، ثم صَمَتَ قليلا، ونظر إليَّ، وأشار بيدِهِ إلى عددٍ من المباني الشاهقة على يمين الطريق، وفي الجهة الأخرى أشار بيده إلى بعض القصور الفخمة والتي تمتد على مساحاتٍ شاسعة، محاطةٍ بأسوارٍ مرتَفعة، ترى من فوقِها أشجارَها الخضراء، فقلتُ: نعم قد رأيتها فما شأنُها؟ قال لو أردتُ أن تكون كلُّها وأضعافُها ملكاً لي لكان ذلك، فقلتُ له: ولِمَ لا؟ وهل يكره عاقلٌ أن يكون مالكاً لكلِّ ما ذكرتَ؟
فقال يا أخي الكريم… لقد كنتُ مديراً للشئون المالية في أكبَرِ الوزاراتِ في هذا البلد، وأنت تعرف معنى ذلك في بلدنا وفي مثيلاتِها من البلاد الأخرى، لقد كانت كلُّ المشاريعِ والمناقصات وغيرها لا يمكن اعتمادُها والموافقةُ عليها إلا بعد دراستي لها وتوقيعي عليها.
وكنتُ دقيقاً في استيفاءِ كافةِ الشروطِ والضوابطِ لقبول أيِّ معاملة، ولا يمكن التنازلُ عن هذا المبدأ أيَّاً كانت المُبرِّرَات، فأنا أعلم أن وِزرَ هذا الشعب سيتحمله كُلُّ مسئولٍ خانَ أمانتَه، وأنَّ دعاءَ الملايين على من فرَّط في حقوقِهِ سيصل عاجلا أو آجلا… كيف لا… والله عزَّ وجل يقول في الحديث القدسي عن دعوة المظلوم ((وعِزَّتي وجلالي لأنصُرنَّكِ ولو بعد حين))، ولا أُخفيك أخي الدكتور علي… لقد تعرضتُ لمضايقاتٍ عديدة وضغوطاتٍ كثيرة، وصل بعضُها إلى حدِّ التهديدِ المبطَّن، فلم أن ألتفت لذلك وثبَتُّ على المبادئ والقيمِ التي آمنت بها.
قال صاحب التاكسي… ولأنَّنِي إنسانٌ من لحمٍ ودمٍ، ولي أحاسيسُ أشعر بما يشعر به كلُّ إنسان، فقد مرَّت بِي لحظاتُ ضعفٍ أمامَ عُروضٍ كثيرةٍ بعشراتِ الملايين، وأراضٍ وعِماراتِ و…و.. كُلُّ ذلك في واحدةٍ فقط من المناقصات، فكيف لو وافقتُ على كل المعاملات؟ هل ستراني أقومُ بنقلِكَ من المطارِ إلى منزِلِكَ في هذا الوقت، وعلى هذه السيارة؟ فقلت له – وقد ازداد إعجابي بهذا الرجل – وكيف تغلَّبْتَ على لحظاتِ الضعفِ التي مرَّتْ بِكَ؟
فقال تعلم يا أخي أنَّ مِن أعظمِ الفِتن التي يُبتلى بها العبدُ فتنةََ المالِ والفقرِ وإلحاح الزوجةِ والأولاد، فكيف إذا اجتمعتْ كُلُّها على إنسانٍ ضعيفٍ مثلي، وكأنَّه يستحضرُ قولَ الله عزَّ وجل ((وَاعْلَمُواْ أَنَّمَآ أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ))، وكأنه يقرأ في حديث النبي صلى الله عليه وسلم يوم استعاذ من فتنة الفقر في قوله ((وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الفَقْرِ))، فقلت له وماذا صنعتَ أمام هذه المُغريات من الملايين؟ وأمام تلك الضُّغوطاتِ الكبيرةِ من المسئولين، وأمام إلحاحِ الزوجةِ والأولاد واحتياجاتِهم الحياتية؟ فقال لي عندما يعمل الإنسانُ وفْق مبادئ وقيمٍ يؤمنُ بها إيمانا كاملاً، واثقا بأنَّ الله عز وجل هو الذي يقسِّمُ الأرزاقَ، فسينجحُ وسيتغلبُ على كلُّ العواصِفِ التي تواجِهُهُ، فكيف عندما يكون هذا الإنسانُ مسلماً عالماً بأن الله يبتلي عبادَه بالفقر والغنى، واثقاَ بتحقُّقِ موعودِ الله له بأن يعُوِّضَه خيراً مما تركه، كما في الحديث ((من ترك شيئا لله عوَّضَهُ اللهُ خيراً منه)).
ثم استرسل صاحب التاكسي في حديثه قائلا: وكنتُ كلما شعرتُ بالضَّعفِ أمام إغراءاتِ المال، وكثرةِ متطلباتِ الأُسرةِ التجأتُ إلى اللهِ بأن يُثبِّتني، فإذا عُدْتُ لبيتي ونظرتُ في وجوهِ أبنائِي وبناتِي زاد ذلك في ثباتي، فقد كنت أُخاطِبُ نفسي بأنَّ أولادي هم أوَّلُ من سيحاسِبُنِي ويتعلقُ في رقبتي في الآخرة لو أطعمتُهم من كسبٍ حرام، وبأنَّ هؤلاء الصغار المساكين سأكون أنا من دمَّرتُ حياتَهم، وأضعفتُ قوتَهم، وفرَّقتُ شملَهم، وزرعتُ العداوةَ والبغضاءَ بينهم فيما لو أطعمتُهم سُحتاً وحراما.
ولا أُخفيك سراً أخي الدكتور علي بأن رؤيتي لأطفالي وخوفي عليهم من آثارِ اللقْمةِ الحرامِ كانت من أكبرِ المثبِّتاتِ لي بعد اللهِ عزَّ وجل.
قال الدكتور علي… وقبل أن نصل إلى منزلي ختم الرجل – الصادقُ في إيمانِه والكبيرُ في رجولتِهِ وإيثارِه – ختم حديثَهُ قائلاً: بعد سنواتٍ أمضيتُها في عملي كنتُ خلالها في صراعٍ كبيرٍ مع الجميع، فالبعضُ ينظر إليَّ باحتقار، والبعضُ الآخر يتحدَّثُ عنِّي بسُخريةٍ وازدراء، وطائفةٌ أخرى يرمونَني بالجنون – بزعمهم أن من يرفُضُ هذه الملايين ما هو إلا معتوه – وكنت خلال تلك الفترة في صبرٍ عظيمٍ، ومجاهدةٍ مستمرةٍ مع النفس، كلًّمَا ضعفتُ التجأتُ لربِي أدعوهُ وأسجدُ بين يديهِ وأبكي، ثم أجمع أولادي أنظرُ إلِيهم وأضُمُّهم لقلبي، وأحتضنهم إلى صدري، وأنا أردد قوله تعالى (وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ )، فأعود بعدها أقوى وأقوى أُمارِس عملي ثابتا على مبدئي.
قال صاحب التاكسي مخاطبا الدكتور علي… وفي نهاية المطاف تقدمتُ باستقالتي من عملي، وخرجتُ خُروجاً لا رجعةََ بعدَهُ، واشتريتُ بحقوقي هذا التاكسي، وانطلقت أجمعُ لقمةَ أولادي من عرَقِ جبينِي غيرَ آسفٍ على منصبٍ تركتُه، ولا آبهٍ براتبٍ كنتُ أتقاضاه، تركتُ ذلك كلَّهُ لأنجو بدِيني، ولأكسبَ مستقبلَ أولادي، وأُحافظَ على صحتِي، وأنا واثق بأنَّ الله عزَّ وجل سيعوضَنِي خيراً مما تركتُه وسيحفظَنِي بحفظه، وكنت أردد دائماً حديثَ نبيي وحبيبي صلى الله عليه وسلم (احفظ الله يحفظك).
وقد واللهِ حفظني ربِّي في نفسي وولدي، فأنت أخي الدكتور علي قد رأيتَ ما أنعمَ اللهُ به عليَّ من الصحةِ والقوةِ ونضارةِ الوجه كما سمعتُهُ منكَ.
قلت…وهذا يذكِّرُنا بما قيل(إن من عجائب حكمة الله، أنه جعل مع الفضيلة ثوابَها الصحةَ والنشاط، وجعل مع الرذيلةِ عقابَها الانحطاط والمرض).
وأضاف صاحبُ التاكسي… وكما حفظ اللهُ لي صِحتي فقد حفظني كذلك في أولادي: فأولادي – ولله الحمد والمنَّة – قد تخرجوا من الجامعات بتفوق، وهم يشغلون مراكزَعُليا، وجُلُّهم يحفظُ القرآن أو على وشكِ حفظِهِ، وبيننا من المحبةِ والألفةِ والإِيثارِ والترابُطِ ما أعجزُ أن أصِفَهُ لك.
قال صاحب التاكسي… وقد بلغني – بعد سنوات – عن بعض زملائي في العمل - ممن سلكوا طريق الحرام - فأصبحوا من أصحابِ الأرصدةِ الكبيرة والعِمارات الشاهقة والقصور الفخمة، لقد سمعتُ عنهم أخباراً جعلتني أُضاعِفُ حمدي وشكري لمولاي عزَّ وجل، الذي هداني وثبَّتنِي أمام فتنةِ المال، فقد انتهى المطاف ببعض أولئك الزملاء بإصابتِهم بأمراضٍ مُزمِنة، فأحدُهُم يعالج في الخارج من المرض الخطير، والثاني من تليُّفٍ في الكبِد، والآخر اختلف أبناؤه وتقاتلوا فيما بينهم، والآخر أدمن بعضُ أبنائه المخدرات…فلا حول ولا قوة إلا بالله.
قال صاحب التاكسي للدكتور علي… وفي القريب العاجل بإذن الله سوف أُودِّع هذه الحبيبة – سيارتي التاكسي – فقد ألحَّ أولادي عليَّ كثيراً بالترجُّلِ من على صهوتِها، بعد أن تحسَّنت أحوالُهُم، وارتفع دخلُهُم، وأصبحوا في رَغَدٍ من العيش، وقد فهمتُ - من خلال إلحاحِهم - أنَّهُم يريدون إِراحتِي ليبرُّوا بي  ويقوموا على خدمتِي، وأنا أرغب في أن أُتيح لهم الفرصةََ ليجِدُوا بِرَّ أولادِهم.
قال الدكتور علي… اقتربنا من المنزل وأنا أسبَحُ في أمواجٍ عاتيةٍ من الأفكارِ المتداخلةِ التي تواردت بشكلٍ سريعٍ في مخيلتي، وأنا أُحاولُ خلالَ هذه اللحظاتِ أن أتماسك، فدموعي قد حبستها في مآقيها، وبعد وصولِنا أوقََفَ الرَّجُلُ سيارتَهُ، ونَزَلَ واتَّجَه يريدُ حملَ حقيبتِي، فأسرعتُ الخطى وسبقتُهُ إليها وحملتُها، وكُلِّي حياء وخجل من نفسي عندما سمحتُ له بحملِها عند المطار، ثُمَّ مددتُ إليه يدي وأعطيتُهُ أُجْرتَه فأخذها ووضعها في جيبِهِ ولم يتأكدْ من عدِّهَا، وركِبَ سيارتَهُ وألقى عليَّ السلامَ مودِعاً، فلم أستطع أن أرُدَّ عليه وداعَهُ؛ خشيةَ انكشاف أمري، وتفجُّر دموعي، وارتفاع صوت ببكائي.
لقد وقفت ثابتا في مكاني خارجَ منزِلي أنظرُ باحترامٍ وإجلالٍ إلى صاحبِ التاكسي، أنظر إلى أعظمِ رجُلٍ قابلتُهُ في حياتِي، وخجِلتُ من دخولِ منزلي قبل اختفاء صاحب التاكسي.
يقول الدكتور علي… لقد تعلمتُ وأنا الأستاذ في الجامعة من هذه الشخصية ما لم أتعلَّمُهُ طيلةَ َحياتي، وكنتُ أظُنُّ أننا – أساتذة الجامعة – نملكُ التأثيرَ في الناس بما لدينا من علمٍ وثقافة، لكنَّ الحقيقةَ أنَّ من يملِكُ التأثيرَ والتغييرَ في الآخرين هم الصادقون المخلصون المتوكلون على ربِّهم، الواثقون بعونِه وحفظِه وتأييدِه، أولئك الذين يعملون بما تعلَّمُوه، أولئك الذين يثبتون على القيم والمبادئ التي آمنوا بها، بعيداً عن بريقِ المناصب، وعُلوِّ الجاه، وتضخُّمِ الرصيد.
قلت… إن هذه الشخصية الفذة – صاحب التاكسي – لم يكن يمنعه من أخذِ الرَّشوةِ والاستمتاع بها في الدنيا، والإنفاقِ على أولاده وقرابتِهِ، وسكنى القصور، وركوبِ أفخمِ المراكب، ولبسِ أفخرِ الملابس، والتغنِّي بالوجاهة في المجتمع؛ حيث يشيرُ له الناسُ بالبنان…أقولُ لم يمنعْهُ من ذلك كلِّهِ إلا مخافة الله عزَّ وجل، فلمَّا علم الله صدقه – نحسبه ولا نزكيه على الله – حفظ اللهُ له صحتَهُ، ورزقه أولاداً صالحين برَرَه، وزرع بينهم المحبةََ والإيثارَ والتآلُفَ، وما عند الله أعظم وأبقى، قال التابعي الجليل قتادة بن دعامة السدوسي ((لا يقْدِرُ رَجلٌ على حَرَامٍ ثم يَدَعَهُ ليس به إلا مخافة الله عز وجل، إلا أبْدَله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خيرٌ له من ذلك)).
أقول… إن هذه القصةَ وأمثالَها تُعين المسلمَ الصادق في مسيرة حياته، وتعطيه الثقةَ والطمأنينةَ بأنَّه ليس وحدَهُ من يتعرضُ للابتلاءاتِ والمِحنِ، فمثلُهُ الكثيرُ الذين اُبتلوا فصبروا وثبتوا واتقوا ربَّهُم، فأعقب ذلك المسرَّة والفرح والعاقبة الحسنة، كما قال تعالى ((ومن يتّق الله يَجْعَل لَهُ مَخْرجاً ويَرْزُقَهُ من حيث لا يَحْتَسب))، ومن أكبرِ الأمثلةِ وأجلاها في تاريخنا: لمَّا ترك المهاجرون ديارَهُم وهجروا أوطانَهم التي هي أحَبُّ شيءٍ إليهم عوَّضَهم اللهُ بأن فتح عليهم الدُّنيا، وملَّكهُم شرقَ الأرضِ وغربَها، ويوسف عليه السلام لمَّا رفض الفاحشةَ وفرَّ هارباً منها قائلاً (معاذ الله)، جعله اللهُ على خزائنِ الأرض، وجمعه بوالدِه يعقوبَ عليه السلام، وأذهَبَ ما بينه وبين إخوته.
أخيراً… حَرِيٌ بكلِّ مسلمٍ يخافُ ربَّه ويخشاه، ويُحِبُّ النجاةَ يومَ يلقاه، ويأمل أن يحفظ اللهُ له صحتَهُ، وأن يُصلِحَ لهُ ولدَه، ويؤلف بين قلوب أفراد أسرته، وأن يرزقَهُم رزقاً واسعا، وأن يَبرُّوه ويحسِنُوا إليه في حياته، وأن يرفعوا أكُفَّهم بالدعاء له بعد مماته، أقول يجبُ عليه أن يُراجِع ما جمعه من أموالٍ فيما مضى من أعوام، وأن يعقِدَ العزمَ بأن يتطهرَ من كلِّ كسبٍ حرام.
ندائي… لِكُلِّ من تضخَّمَت تجارتُهُ من الرِّبَا، أو تضاعفتْ أموالُهُ من الرَّشْوة، وكلِّ من فاخرَ بتزايُدِ أموالِهِ من المخدرات، لكلِّ من فرِحَ بأكلِ أموالِ العمَّالِ واليتامى… أقول لهم ولكلِّ من اقتحمَ أبوابَ الحرام، فرِحاً بالدرهم والدينار، وسعيداً بازدياد رصيده من المال… أقول لهم ارحموا أنفسكم، وحافظوا على ذُرِّياتِكم، فإنَّ الذي أمهلَكم لن يُهمِلََكُم وهو المطَّلعُ على سِرِّكُم وعلانيتِكُم… توبوا إلى ربِّكُم وادعوه وسلوه العونَ، فهو القائل عزَّ قائلا عليما ((وإذا سألك عبادي عني فإنِّي قريبٌ أُجيبُ دعوةَ الداعِ إذا دعان))، ثم بعدها تخلَّصُوا من كلِّ دِرهمٍ تعلمون يقيناً أنه من طريق فاسد، وأبشروا بعدها ببشارةِ النبي صلى الله عليه وسلم (من ترك شيئاً لله عوَّضَه اللهُ خيراً منه)، وافرحوا بتحوِّلِكم وانتقالِكم من حالٍ يكرهُها اللهُ إلى حالٍ أخرى أطيب وأزكى يحبُّها الله، فإنَّه قد ورد في بعضِ الآثار ((وعِزَّتِي وجلالي لا يكون عبدٌ من عبيدي على ما أكره فينتقل عنه إلى ما أُحِبُّ، إلا انتقلتُ له ممَّا يكرهُ إلى ما يُحِبُّ )).
شكراً من القلب لك يا صاحب التاكسي… يا من سموت على حظوظ النفس وأطماعها… يا من بقيتَ صامداً راسخاً رسوخَ الجبالِ الشُمِّ الرواسي… يا من صبرتَ ثابتاً ثباتَ المؤمنِ المتوكل على ربِّهِ، الواثقِ بمولاه أمامَ بريقِ الملايين.
شكرا لك يا صاحب التاكسي… فقد تعلمنا منك أنَّ الفقيرَ ليس هو من خلا جيبُهُ من الدِّرهَمِ والدِّينار، إنَّما الفقيرُ من خلا قلبُهُ من خشيةِ الله، وتنكَّرتْ روحُهُ لقِيَمِهِ ومبادِئِهِ.
شكرا لك من القلب يا صاحب التاكسي… يوم عِشتَ الإيثارَ في أبهى صُوَرِهِ، وأسمى معانيه، عندما فكَّرتَ في زوجتِك وأطفالِك، ومنعتَ وصولَ أثرِ الحرامِ لأجسادهم وعقولِهم، وحفظتَهُم مِمَّا سيجُرُّهُ عليهم من ويلاتٍ وويلاتٍ في الدنيا والآخرة.
يا صاحب التاكسي أنت في نظرِنا اليوم … صاحب السمو… لأنَّك عِشتَ السُمُوَّ في أبهى صُوَرِهِ، فالكثيرُ يقودون سياراتِ أُجرةٍ حديثة، والكثيرُ يملكون سياراتٍ فارهة… لكنهم لا يملكون السموَّ الذي ارتقيتَ لهُ ... ولا يعرفونَ القِيَمَ التي آمنتَ بها ... ولم يقرؤوا في المبادِئ التي بقيتَ ثابتا عليها.


بقلم /
 د. فهد بن منصور الدوسري
 fhad555z@hotmail.com  
              


الجمعة، 29 يناير 2016

بشراك خادم الحرمين


بُشْـرَاكَ خـادِمَ الحرَمَـيـن



يوم الخميس السادس من شهر جمادى الآخرة لعام 1436هـ، كان يوماً مختلفاً في حياةِ الأمةِ الإسلامية، فقد أصبحَ النَّاسُ على حدثٍ عظيم سيُسجلهُ التاريخُ بمداد من ذهب  وتتذكرُهُ الأجيالُ على مرِّ الزمان وكان انطلاقُ هذا الحدثِ نتيجةَ تلبيةِ نداء استغاثةٍ من شعبِ اليمن الكريم حيث كانت الاستجابةً سريعةً من خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بانطلاقِ عاصفةٍ مُدوِّيةٍ، دحرتْ المجرمينَ وأنقذت أرواحَ الآمنين، وحمى الله بها يمَنَ الحكمةِ والإيمان، وصانَ أراضيه من احتلالٍ فارسيٍ بغيظ، تقومُ به مجموعةٌ حوثيةٌ مجرمةٌ متغطرسة.
وإن النَّاظـرَ في أسبـابِ انطـلاقِ هـذه العاصفةِ المباركة، والمتابعَ لمراحـلِ تنفيذها وأبرزِ أهدافِها، ومقارنتها بما جرى في أحداث السيرةِ النبوية، وخاصة فيما يتعلق بنُصرةِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم لقبيلةِ خزاعة، واستجابتِهِ السريعةِ لاستغاثتِهم سيرى تشابُهاً كبيراً لا يملك حيالَه إلا أن يتفاءل بما سيتحققُ من نتائجَ عظيمةٍ لهذه العاصفة المباركة في المستقبلِ القريبِ وكذا البعيد.
ولأنَّ اللهَ عزَّ وجل أمَرَنا دائما بإحسانِ الظَّنِ به، والنَّبيَ صلى الله عليه وسلم يُعجِبُه الفأل، وكثيراً ما بشَّرَ أصحابَه في مواضعَ متعددة من سيرتِهِ العَطِرة، فإنَّ المجتمعِ السعودي بكافة، وكلَّ أبناءِ الأمةِ الإسلامية المخاصين ليقفون متفائلين ومؤيدين ومباركين لقرار خادم الحرمين الحكيم الحازم.
بُشرَاكَ يا خادمَ الحرمين فقد أمرتَ بعاصفةِ حزمٍ حمى اللهُ بها إخوانَنا في بلادِ اليمن، وهبَّت الأمةُ جميعُها مؤيدةً لقرارك، شاكرةً حُسنَ صنيعِكَ، وداعيةً لك بالتوفيقِ والعونِ والسداد، فقد كانت نصرتُكَ يا خادم الحرمين لأهلِ اليمن تنطلقُ من مبدأ واجبِ النُّصرَةِ التي أمرنا اللهُ بها في قولِه(وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ )، فنُصرةُ المسلمين للمسلمين واجبةٌ، لأنَّهم أمةٌ واحدةٌ، مهما تناءت ديارهم وتباعدتْ أقطارُهم.
بُشراكَ يا خادمَ الحرمين… فقد كانت نُصرتُك لإخوانِك في اليمن إنما هي تيمُنَاً واقتداءً بنبيِّكَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، فقد دلت السنةُ الفعليةُ على نُصرَتِهِ للمستضعفين من قبيلةِ خزاعة عندما استنصروه بعدما وثبت عليهم قبيلةُ بني بكر وقتلوهم ليلاً بماءٍ يقال له الوتير وشاركتهم قريش في الهجوم، فانطلق عمرو بنُ سالمٍ الخُزاعِي في رجالٍ من قومه، وقدِموا على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يستنصرونَهُ، وافتتحَ عمرُو شكواهُ بأبياتٍ من الشعر مؤثرةٍ أنشدَها أمامَ النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِه يقول فيها:
يـا رَبِّ إنّــي نَاشِــدٌ مُحَمَّـدًا    حِلْـفَ أَبِينَــا وَأَبِيــهِ الْأَتْـلَـدَا
إنّ قُرَيْشًا أَخْلَفُـوك الْمَوْعِـدَا    ونقضـوا ميثاقــك المؤكــدا
هُـمْ بَيّتُونـَا بِالْوَتِيـــرِ هُجّــدًا    وَقَتَـلُونَــا رُكّـعًــا وَسُـجَّـــدَا
فادْعُ عِبَادَ اللّهِ يَأْتُوا مَدَدَا فِي   فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدًا       
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نُصِرتَ يا عمرُو بنَ سالم).
بُشراكَ يا خادمَ الحرمين… فإنك عندما كتَمَتَ خبرَ موعدِ انطلاقِ عاصفةِ الحزمِ عن العالمِ أجمع فكانت الضربةُ موجعةً للحوثيين المعتدين، وشفاءً لصدور للمسلمين المظلومين، كنت متبعا لسنة حميدة حيث كتم رسولِ صلى الله عليه وسلم مخرجَهُ لمكةَ لنصرة خزاعة  وسألَ اللهَ عزَّ وجلَّ أن يُعميَ على قريشٍ خبَرَهُ حتى يبغتَهُم في بلادِهم فبغتهم واقتصَّ منهم، وانتصرَ لخزاعة.
بُشرَاكَ يا خادمَ الحرمين… بالثواب الجزيل على عمِلِكَ الدؤوب  وجُهدِك المشكور في جمعِك لهذا التحالفِ الكبيرِ في فترةٍ وجيزةٍ، وكأنَّكَ حفِظَكَ اللهُ تقتفي أثرَ محمدٍ صلى الله عليه وسلم عندما جمعَ جيشاً ضخماً مقدارُهُ عشرةُ آلافِ مقاتل، جميعُهم قد هَبَّ مع رسولِ صلى الله عليه وسلم لنصرةِ المظلومين، والاقتصاص من الظالمين.
بُشراكَ يا خادمَ الحرمين… فسيعقبُ هذه العاصفةَ المباركة - بإذن الله - نتائجُ عظيمةٌ تصُبُّ في صالحِ الأمةِ، منها العاجلُ ومنها ما سيكون آجلا؛ لأنَّكَ استجَبتَ لأمرِ مولاكَ عزَّ وجل، واهتديتَ بهدْي نبيِّك صلى الله عليه وسلم بقيامِك بواجِبِ النُّصرَة، وبشارتِي هذه مردُّهَا ما أكرَم الله به نبيَّهُ صلى الله عليه وسلم من نتائجَ عظيمةٍ، بعد قيامِهِ بواجبِ النُّصرةِ لقبيلةِ خزاعة، ومن تلك النتائج: اجتماعُ جيشٍ عظيمٍ للمسلمين، وفتحُ مكة والقضاءُ على الشركِ، وهدمُ الأصنام فيها، والقِصاصُ من المعتدين، ودخولُ الناسِ في دين الله أفواجاً، وستكونُ عاصفةَ الحزمِ بإذن الله فتحاً مبينا للمسلمين -في العاجلِ والآجِلِ- وقد بانت مقدِّماتُها بكسرِ شوكةِ الصفويين الفرس، وإنقاذِ أهل اليمن، وسيعقبها - بإذن الله تعالى - اجتماعُ كلمةِ المسلمين بعد اختلاف، واتِّحادُ صُفُوفِهم بعد تفرُقٍ.
بُشرَاك يا خادمَ الحرمين… فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد جهَّزَ جيشاً كبيراً حاصرَ بِهِ يهودَ بني قينقاع، وأجلاهم من المدينةِ إلى غيرِ رجعة، لأجلِ امرأةٍ مسلمةٍ انتصرَ لها، واقتَّصَ ممَّن ظلمَها، وأنت يا خادمَ الحرمين انتصرتَ لأمةٍ كاملة، فأنقذ اللهُ بك ملايينَ المسلمينَ الموحِدِين، وظهَرَتْ غضبتُكُم عندما انتصرتُم لبيوتِ الله التي هُدِّمَتْ  وحلقاتِ القرآنِ التي دُمِّرَتْ.
بُشرَاكَ يا خادم الحرمين… فإن قرارَك الشجاع بِنُصرةِ اليمن سيُسطِّرُه التاريخُ بجوار كلماتِ الخليفةِ العادلِ عمرَ بنِ عبد العزيز، الذي لمَّا بلَغَه أنَّ رجلاً من المسلمين أسرَهُ الرومُ، وأرغمَهُ زعِيمُهُم على تركِ الإسلام، فغضِبَ الخليفةَ العادلُ غضباً شديداً، وكتب إلى الإمبراطورالروماني قائلا(من أميرِ المؤمنينَ عمـرَ بنِ عبدِالعزيـزِ إلى ملِكِ الروم: لقـد بلغني ما فعلتَ بأسِيرِك فلان، وإنِّي أُقسِمُ باللهِ العظيم إن لم تُرْسِلْهُ من فورِكَ لأبعثنَّ إليكَ من الجُندِ ما يكونُ أولُهم عندَك، وآخِرُهُم عِندِي)، فارتعدت فرائصه، وبعث بالرجل إلى بلاد المسلمين محمَّلاً بالهدايا.
بُشراك يا خادمَ الحرمين… فقد أجبتَ نداءَ شعبٍ كامِلٍ مكلُومٍ مظلُوم  وستُرفَعُ لك الأكُفُّ، وتلهجُ لك الألسنةُ بالدُّعَاءِ الخالِصِ، وسيذكُرُكَ الناسُ كلَّمَا جاء ذِكرُ النداءِ الذي هبَّ لأجْلِهِ الخليفةُ المعتصم حينَ علِم أنَّ امرأةً مسلمةً عربيةً جليلةً اُعتدِي عليها بمدينةِ عمُّورية في أقصى الأرض، فصرختْ قائلةً (وامعتصماه )، فجهَّز لها جيشًا عظيما لدفعِ مظلمتِها، وتأديبِ من اعتدى عليها، وانطلق ولم يلتفت لتحذيرِ المخذِّلِين، وغيرَ آبهٍ بأقوالِ المنجمين؛ ليُحاصِرَ عمُّوريةَ حتى استسلمتْ فدخلَها واتَّجَهَ يبحثُ عن المرأة حتى أخرجها من سجنِهاَ قائلا لها:(هل أجابَكِ المعتصم، قالت:نعم )، فكان ذلك دافعاً لأبي تمام بأن يستهِلَّ قصيدَتَهُ في مدحِ الخليفةِ المعتصم بذكره للسيف، خلافا لما هو مألوفٌ من الشعراء بالوقوفِ على الأطلال، فكانت تلك القصيدةُ المليئةُ بالمعانِي والصُّوَرِ الفريدة والتي ردَّدَتها الأجيالُ على مرِّ العصورِ جيلاً بعدَ جيل:
السَّيْفُ أَصْدَقُ إِنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ   في حدِّهِ الحدُّ بيـنَ الجِدِّ واللَّعـبِ
فَتْحُ الفُتوحِ تَعَالَى أَنْ يُحيطَ بِهِ   نَظْمٌ مِن الشعْرِ أَوْ نَثْرٌ مِنَ الخُطَبِ
فـتـحٌ تـفتَّـحُ أبـوابُ السَّماءِ لهُ    وتبرزُ الأرضُ في أثوابِها القُشُبِ
يَا يَوْمَ وَقْعَةِ عَمُّوريَّةَ انْصَرَفَتْ   منكَ المُنى حُفَّلاً معسولةَ الحلبِ
ليأتي الشعراءُ بعد قيام عاصفةِ الحزم يجارون قصيدةَ أبي تمام، فخراً واعتزازاً بما فعلتَهُ يا خادم الحرمين من انتصارِك لإخوانِك:
الحزمُ أصـدقُ إنباءً من الخُطَـبِ  في قصفِهِ الحدُّ بين الصدقِ والكذِبِ
يا يومَ عاصفة الحزْمِ التي حملتْ ريحَ المُنى من رُبى صنْعَا إلى حَلَبِ
فتـحُ الفتوحِ تعالى أن يُـحيطَ بـه   فِعـلُ الفعـولِ ولا قـولٌ من الأدبِ
ما أروعَ السيفَ يا سلمانُ تصقلُهُ  في رأسِ مَنْ خانَ أو في هامِ منْقَلِبِ
بُشراكَ يا خادمَ الحرمين… فإنَّ حزمَكَ الذي سدَّدك الله له، كان حزمَ القائدِ الشُّجَاعِ الذي أنقذ الله عز وجل به المملكةَ والخليجَ وبلادَ اليمنِ من أطماعِ الفُرسِ الصفويين وهو حزمٌ فيه اقتداءٌ بحزمِ الخليفةِ أبي بكرٍ الصديق في أيامِ حُرُوبِ الرِّدَة عندما نُصِحَ الخليفة بأنْ لا يواجِهَ المرتدين؛ لتفوقِهِم عدداً وعُدَّةً، فقال مقولته الخالدة، واثقاً بربِّه متوكلاً على مولاه (واللهِ لو منعُونِي عِقالاً كانوا يؤدُّونَهُ لرسولِ الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتُهم عليه)، ففتح الله لأبي بكر الصديق ونصره.
بُشراكَ يا خادمَ الحرمين… فإنَّك قد فتحتَ البابَ للأُمةِ لِتنهَضَ من كبوتِها، وتستفِيقَ من غفوتِها، وتستردَ عِزَّتَها وكرامَتَها، كما أعدْتَ لها ذكرى تلك الكلماتِ الخالدةِ للخليفةِ الفاروقِ عمرَ رضي الله عنه عندما قال (نحن قومٌ أعزَّنَا اللهُ بالإسلام، ومهما ابتغينا العِزَّة بغيرِهِ أذلَّنَا الله).
بُشرَاكَ يا خادمَ الحرمين… فقد أنقذ اللهُ بِكَ البلادَ والعِبادَ، وأنجى الأُمَّةَ جمعاء من العقوبةِ العظيمةِ الواردةِ في الحديثِ (مَا مِنْ امْرِئٍ يَخْذُلُ امْرَأً مُسْلِمًا عِنْدَ مَوْطِنٍ تُنْتَهَكُ فِيهِ حُرْمَتُهُ، وَيُنْتَقَصُ فِيهِ مِنْ عِرْضِهِ إِلَّا خَذَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْطِنٍ يُحِبُّ فِيهِ نُصْرَتَهُ...).
بُشراكَ يا خادمَ الحرمين… فقد عرَّفتَ العالمَ أجمع بقوةِ وبأسِ رجالِ قواتِنا الميامين وهم يقومون بمسؤولياتِهمْ بكفاءةٍ قَلَّ نظيرُها، ومهارةٍ عاليةٍ أبهرتْ الشرقَ والغرب يقضُونَ أوقاتَهُم في حراسة الثُّغُور، وعلى جبهاتِ القتال بين صلاةٍ لخالقهم، وذكرٍ لمولاهم، وقراءةٍ لكتاب ربهم، ثابتون كالطَّودِ العظيم، لا تعصِفُ بِهمْ ريحٌ، ولا يحطِمُهمْ موجٌ، يدافعون عن دينهم، ويذودون عن وطنٍ عظيمٍ، هو مهبط الحي، ومنبع الرسالة، وقبلة المسلمين، تُرفع فيه رايةُ التوحيد، لا أثَر للشرك فيه، ولا آثار للوثنيَّة، وطن دستورُه القرآنَ والسنة، يبتسم أبناؤه في مواطن القتال لأنهم بعلمون أنهم يتقربون إلى الله، ولسانُ حالِهم يُردِّد:
هي مَهْبِطُ القُرآنِ تحت لوائِـه   سارتْ بعونِ اللهِ تجتازُ المِحَـنْ
نشأتْ على هَدْي الإله فرُوحُهَا  تسمو بها وبِروحِها يسمو البَدَنْ
بُشراكَ يا خادم الحرمين… فقد جعلتَ الأمةَ الإسلاميةَ تقتربُ كثيراً من مفهوم الجسدِ الواحد وتُطِّبقَ ذلك سلوكاً عملياً في واقعِ حياتِها، فقلَّ في القُرونِ المتأخرةِ حصولُ مثل هذا التوافق والتكاتف والاتحاد، لقد أعطيتَ شارةَ الانطلاقِ لـ(مشروع الأمَّةِ القادم) لتكونَ عاصفةُ الحزمِ هي البدايةَ لمستقبلٍ واعدٍ لا مكانَ فيه للضعفاءِ والمخذِّلين، لقد أعطيت إشارةَ البدءِ لعاصفةٍ عمِلتْ بخلافِ طبيعتِها، عاصفةٍ مباركةٍ جمعت الأمةَ َبعد تفرقٍ، ووحَّدَتَها بعد تشَتُّت، ولسانُ حالك يردد..
إذا كنتَ ذا رأيٍ فكنْ ذا عزيمةٍ   فإنَّ فسادَ الرأيِ أن تترددا
شكرا يا خادم الحرمين يوم حسَمْتَ أمرَكَ، ومضَيتَ إلى سبيلِكَ، متوكلاً على ربِّك، واثقاً بنصرِ مولاك، ممتشقاً سِلاحَ الحقِّ، غيرَ آبهٍ بالمرجفين والخائفين، ولا ملتفت للحاسدين والحاقدين، انطلقتَ ثابتَ الجنانِ، واثقَ الخطوةِ، مؤكداً بأنه لن يَصْلُحَ آخِرُ هذهِ الأمةِ إلا بما صَلَحَ بِهِ أولُّهَا.
والحمدُ لله رَبِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبيه الأمين، وآله وصحبه أجمعين،،،


بقلم/ د. فهد بن منصور الدوسري
             fhad555z@hotmail.com          
@dr_faldawsari