الجمعة، 28 يوليو 2017




 رسالة ...       وطن... وجنود

جنودَنا المجاهدين المرابطين على حدود بلادنا رفع الله قدركم، وأعلى منازلكم، إنكم تحمون عقيدتنا، وتدافعون عن حدود بلادنا، فلكم دعاؤنا وشكرنا وتقديرنا، فلن نجد أشرف وأسمى من رجالٍ شجعان ضحوا بأنفسهم، وبذلوا أرواحهم لنعيش آمنين.

إنكم أبطالٌ صادقون صامدون... ترابطون بثبات، تنصرون الدين، وتذودون عن حمى الوطن، أُصيب بعضكم، واستشهد آخرون، فإذا ما حانت الصلاة على أحدكم توافدت جموعٌ غفيرةٌ؛ لشهود الجنازة حباً ووفاءً واعتزازاً وتقديراً وإجلالا.
حنَّـا بكـم نفخـر ونعتـزّ ونـزود     ونماري العالم على روس الأشهاد  
أنتم ذخيرة موطن العز والجود     وأنتـم أُسـود البيـد وأحفـاد الأجـداد

هنيئا لكم المجد أيها الفرسان... فقد تقلدتم أوسمةً رفيعةً، تحملونها على صدوركم يفخر بها آباؤكم وإخوانكم وأولادكم من بعدكم، فهذه الشهادة التي أُكرمتم بها، أو الإصابة التي أُصبتم بها إنما هي أثر عبادة محبوبة عند الله سبحانه، وهي الجهاد في سبيل الله، والتي هي ذُروة سنام الإسلام، وهي لا تحصل لكل أحد، ولا تتحقق لكل إنسان، إنما تكون من فرسانٍ أبطالٍ أمثالِكم، ميدانهم ساحات النزال، ومواطن القتال.
تستاهلون المجد والفعل مشهود    وتستاهلون المدح من كُل قصّاد

أيها المجاهدون الأبطال...سيُخلد اسمكم، وسيبقى ذكرُكم وسيفتخر بكم أحفادكم من بعدكم كما كان أحفاد الصحابة يفتخرون بمواقف آبائهم في الجهاد في سبيل الله، فقد أُصِيبَتْ عَيْنُ قَتَادَةَ بنِ النّعْمَانِ حَتّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَتَوا بِهِ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخَذَهَا بِيَدِهِ وَرَدّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، فَكَانَتْ أَحَسَنَ عَيْنَيْهِ، وَأَحَدَّهُمَا نَظَرًا، فلمَّا وَفَدَ عَلَى الخليفة عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ حفيدُه عاصمُ بن عمر بن قتادة سَأَلَهُ عُمَرُ مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ

أَنَا ابْنُ الّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدّ عَيْنُهُ     فَرُدّتْ بِكَــفّ الْمُصْطَفَى أحسن الرد
فَعَـادَتْ كَمَا كَانَـــتْ لِأَوّلِ أَمْرِهَـــا     فَيَا حُسْـنَ مَا عَيْـنٍ وَيَا حُسْـنَ مَا ردِّ
وكان الصحابي الجليل حنظلةُ بنُ أبي عامر قد شارك مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة أحد، فلما انتهت المعركة رُوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:(إني رأيت حنظلة بين السماء والأرض، تغسٍّله الملائكةُ بماءِ المُزنِ في صِحافِ الذهب) فكان ابنه عبدالله إذا سئِل عن اسمه، قال مفتخراً:( أنا ابن غسيل الملائكة ).

شكرا لكم أيها الشجعان...  يوم قضيتُم أوقاتاً طويلةً بعيداً عن أهلِكم وأحبابِكم تذودون عن دينكم ومقدساتِكم، وتدافعُون عن أوطانكم وأعراضكم، رافضين أن يقترب من وطنكم المحتلون، أو يدنسه الرافضةُ المشركون، ولسانُ حالِ أحدكم يردد
ولــي وطَــنٌ آليــتُ ألا أَبـيعَــهُ    وألاَّ أرى غيـري لــهُ الدَّهـــرَ مالِكـا
عهِدتُ بِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ ونِعمةً       كنِعْمَـةِ قـــومٍ أصبَحُـوا فــي ظِلالكـا

شكرا على مكارم أخلاقكم، شكرا لإقدامكم وشجاعتكم، شكرا لوفائكم لإخوانكم في ساحات الوغى، شكرا لإيثاركم بإنقاذ زملائكم من خطر أعدائكم، ولو على حسابِ حياتِكم، لقد أبيتَم أن ينجوَ أحدُكم ويحيا لوحدِه، بل خاطرتم وغامرتم وأنتم ترددون:
فإما حياة لنا جميعا تسر الصديق ... وإمَّا مماتٌ يغِيض العدا.

أبشروا أيها المجاهدون الأبطال... بمنزلةٍ عاليةٍ عند ربكم في جنات النعيم، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إنَّ في الجنة مائةَ درجهٍ أعدَّها الله للمجاهدين في سبيل الله ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض ).

أبشروا... فإنَّ كلَّ تُرابٍ اغبرَّت به أقدامُكم سيكون حائلاً من عذاب النار، مصداقاً لحديث المختار صلى الله عليه وسلم  ( ما اغبرتا قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسَّه النار).

أبشروا... فكلّ غُبارٍ أزكم أنوفَكم سيكون طارداً لدخان جهنم، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنم).

أبشروا... فإن رباطكم في سبيل الله ليومٍ واحد فقط أفضل وأعظم من حُطامِ الدنيا الفاني ومتاعِها الزائل، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( رِباطُ يومٍ في سبيلِ الله خيرٌ من الدنيا وما عليها).

حفظ الله بلادنا... ونصر جنودنا... وتقبل شهداءنا... وعافى جرحانا.



بقلم الدكتور/
فهد  بن  منصور الودعاني الدوسري
fhad555z@hotmail.com                                          

الثلاثاء، 18 يوليو 2017




 كلمة تقدير وإجلال في حفل تكريم
النقيب البطل خالد الغنام الهواشلة الدوسري
بعد عودته من ألمانيا للعلاج أثر إصابته في الحد الجنوبي

الحمد لله ربِّ العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.
إنَّ المناسباتِ الحقيقيةَ التي تستحق أن يقامَ لها احتفال، وتُلقى فيها القصائدُ الحسان هي مناسباتُ تكريمِ أبطالنا المجاهدين - الشهداء منهم والمصابين - فهل وجدتم مناسبةً أشرفَ وأسمى من مناسبةِ تكريمِ رجلٍ مقدام، قدَّم روحَه على راحةِ يده؛ نصرةً للدين، ودفاعاً عن الوطن، ولذلك فنحن لا نعتبر احتفاليةَ أسرةِ الغنَّام بمناسبة عودة البطل خالد من رحلته العلاجية من خارج المملكة خاصة بأسرته فقط ولا بقبيلة الدواسر، بل هي مناسبة واحتفالية تخص الوطن؛ فخالد الغنام أصيب وهو يدافع عن دينه، ويذود عن حمى وطنه، فتستحق هذه المناسبة أن نؤجِل لها المواعيد، ونلغي لأجلها الأسفار لنحضر ونعتز ونماري بأحد أبطالنا، ونفاخر بأسدٍ من أسود بلادنا، وفارس من أحفاد الصحابة.
حنَّـا بكـم نفخـر ونعتـزّ ونـزود
ونماري العالم على روس الأشهاد
أنتم ذخيرة موطن العز والجود
وأنتـم أُسـود البيـد وأحفـاد الأجـداد

أيها الفارس الغنام... هنيئا لك فقد تقلدت وساما رفيعا، تحمله على صدرك ويفخر به والدُك ويعتزُ به إخوانُك وأولادُك على مرِّ الزمن، فهذه الإصابة التي أُصبتَ بها إنما هي أثرُ عبادةٍ محبوبةٍ عند الله سبحانه وهي الجهاد في سبيل الله - ذُروة سنام الإسلام - وهي لا تحصل ولا تتحقق إلا في ساحات النزال ومواطن القتال، من فرسانٍ أمثالك شجعان.

أيها البطل الهُمام... سيُخلدُ اسمك، ويبقى ذكرُك، وسيفتخر بك أبناؤك وأحفادك من بعدك، كما كان أبناءُ وأحفادُ الصحابة يفتخرون بمواقف آبائهم في الجهاد في سبيل الله تعالى، فقد أُصِيبَتْ عَيْنُ الصحابي الجليل قَتَادَة بْن النّعْمَانِ حَتّى وَقَعَتْ عَلَى وَجْنَتِهِ، فَأَخَذَهَا رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ وَرَدّهَا إلَى مَوْضِعِهَا، فَكَانَتْ أَحَسَنَ عَيْنَيْهِ، وَقَدْ وَفَدَ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَجُلٌ مِنْ ذُرّيّتِهِ، هو عاصم بن عمر بن قتادة، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَنْ أَنْتَ؟ فَقَالَ مفتخرا بإصابة جدِّهِ:
أَنَا ابْنُ الّذِي سَالَتْ عَلَى الْخَدّ عَيْنُهُ
فَرُدّتْ بِكَــفّ الْمُصْطَفَى أحسن الرد
فَعَـادَتْ كَمَا كَانَـــتْ لِأَوّلِ أَمْرِهَـــا
فَيَا حُسْـنَ مَا عَيْـنٍ وَيَا حُسْـنَ مَا ردِّ

واستشهد الصحابي حنظلة بن أبي عامر في غزوة أحد، فرُوي أن الملائكة غسَّلته بين السماء والأرض، بماء المُزن في صحاف الذهب، فكان ابنه عبدالله إذا سئِل عن اسمه؟ قال:( أنا ابنُ غسيل الملائكة ).

شكرا لك أيها البطل الشجاع... يوم قضيتَ وقتاً طويلاً مرابطا على حدود أرضك، مفارقا  أهلك بعيداً عن أحبابِك، تذود عن دينك ومقدساتِك وتدافعُ عن وطنك وعرض ومقدساتك رافضا أن يدنسه المشركون، ولسان حالك يردد:
ولــي وطَــنٌ آليــتُ ألا أَبـيعَــهُ
وألاَّ أرى غيـري لــهُ الدَّهـــرَ مالِكـا
عهِدتُ بِهِ شَرْخَ الشَّبَابِ ونِعمةً
كنِعْمَـةِ قـــومٍ أصبَحُـوا فــي ظِلالكـا

شكرا لك خالد الغنام... شكرا لإقدامك وشجاعتك... شكرا لوفائك لرفيقك في ساحات الوغى يوم آثرت إنقاذَه على حسابِ حياتِك، لقد أبيتَ أن تنجوَ وتسلمَ وتحيا لوحدِك بل خاطرت وغامرت وأنت تردد: فإما حياة لنا جميعا تسر الصديق...وإما مماتٌ يغِيض العدا.
تستاهل المجد والفعل مشهود
وتستاهل المدح من كُل قصّاد
يفداك بين الناس نذلٍ ومقرود
زيَّن لجهّال الوطن ذبح الأجواد

 أبشر أيها المجاهد المقدام... بمنزلةٍ عاليةٍ عند ربك في جنات النعيم: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنَّ في الجنة مائةَ درجهٍ أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض  وأبشر فإنَّ كلَّ ترابٍ اغبرت به قدماك فسيكون حائلا من عذاب النار، مصداقا لحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم القائل ( ما اغبرتا قدما عبدٍ في سبيل الله فتمسه النار )، وكلَّ غبارٍ أزكم أنفك فسيكون مانعا من دخان جهنم بإذن الله كما قال صلى الله عليه وسلم لا يجتمع غبارٌ في سبيل الله ودخانُ جهنم  وأبشر فإن رباطك في سبيل الله ليومٍ واحد أفضلُ وأعظمُ مما يجمعه الناس من حطام الدنيا ومتاعها الزائل، كما قال صلى الله عليه وسلم ( رباطُ يومٍ في سبيل الله خيرٌ من الدنيا وما عليها ).

والحمد لله رب العالمين
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

يوم الاثنين  ليلة الثلاثاء، الموافق 23/10/1438هـ


د. فهد  بن  منصور الودعاني

 fhad555z@hotmail.com    

الثلاثاء، 8 نوفمبر 2016




ابني الذي أنجبَتهُ أُختي

لا شك أن كلَّ أبٍ في هذه الدنيا يُسعِده ما يجده من أولاده من نفعٍ وطاعةٍ، وامتثالٍ لما يأمر به وانضباطٍ وأدبٍ في تعاملهم معه، وصبرٍ وتحمُلٍ لما يحصل منه من شِدةٍ وقسوة، قد يضطرُّ لها في أوقاتٍ متفرقة، وغيرِها الكثير من صُورِ بِرِّ الأولاد بآبائهم التي لا تخفى.
وكلُّ ما سبق أمرٌ واجب، لا يُستغربُ حدوثُهُ، ويحصلُ كثيراً في مجتمعنا الإسلامي الذي يؤمن بالكتاب والسنة، التي تأمر المسلمَ ببرِّ الوالدين وطاعتِهما والتحذيرِ من العقوقِ تجاههما.
لكن أن يتحقق البِرُّ في أزهى صُوَرِه وأجملِ معانيه من شخصٍ تجاهك؛ هذا الإنسانُ لا ينتمي لأُسرتِك ولا يوجد اسمُهُ في سجلِّ العائلةِ الخاصِ بك فهذا الذي يحتاج لوقفة.
هذا الإنسانُ البارُّ الذي أفردتُ له هذا المقال، له من اسمه نصيب، أطلق عليه والداه اسم مبارك فكان مباركاً في مراحل حياته كلِّها؛ تلك الحياة التي عاشها بعيدا عن والديه، فاحتضنه قلبُ جدتِهِ قبل حُضنِها، تصلي الليلَ فيشعر بها، وتصوم النهارَ فتطعِمَهُ من فُطورها قبل موعد الآذان، وربما حضر ليلةً متأخراً فآثرته بطعامٍ لها تشتهيه؛ رحمة وإشفاقا به، ونامت جائعة...
وكم مرةٍ جاعتْ وأعطتكَ قوتَها ... حُنُوَّاً وإشفاقاً وأنتَ صغيرُ.
ينام مبارك صغيراً في حضنها، فيستمع لكثرة ذكرِها، فربما ردَّد كثيراً من الأذكار وحفِظَها.
وتمُرُّ الأيامُ وتتعاقبُ الليالي، وهو من أسعد الناسِ عيشا، وأهنئِهم حياةً وأرفعِهم مقاما، كيف لا وهو في رعايةِ الجدة - أمِّ الجميع - التي تأمر فيطاع أمرُها، وتتكلم فيُسمَع لكلامها، وتقترح فيؤخذ باقتراحِها، فهل لأحدٍ أن يتعرض لابنِ بنتها وقُرةِ عينها؟ هل لأحدٍ أن يُغضِبَهُ أو يتعرضَ له؟ لقد كانت تخاف عليه وتألم لألمه وتسهر لمرضه، كأنها هي القائلة...
إذا ليلةٌ نابتك بالسقم لم أبت ... لذكرِك إلا ساهراً أتململ.
وتمرُّ الأيامُ ويكبرُ الصغيرُ... فيخرج من المنزل ويعود.. تحيطُهُ الدعواتُ أينما ذهب؛ وما أعظمها من دعوات؛ دعواتُ الجدِّة؛ التي كثيراً كثيراً ما خلت بربِّها في الثلثِ الأخيرِ من الليل، كما هي عادةُ كثير ٍمن كِبَارِ السنِّ..  
فدونَك فارغبْ في عميمِ دعائِها        فأنتَ لِما تدعـو إليـه فقيـرُ.
وتمضي السنينُ والحبُّ في غالِبِهِ للغالي مبارك، وما بقي من حبٍّ تقاسمَهُ أخوالُهُ، ولا ضيرَ لديهم في سبيل رضا أُمِّهِم!!
ومع هذا الحبِّ الكبير من الجدَّةِ إلا أن أمرَ الصلاة في المسجد كان عندها من المُهمَّات التي لا يمكن الإخلالُ بها، فكان مبارك حريصاً على قلبِ جدَّتِه وإسعادِها - بعد رضا ربه - بالمداومة على الصلاة جماعة، فكان لذلك أثرُه الكبير في حياته مستقبلا.
لقد كان مبارك منذ صغره سهلاً هيناً خدوماً محبوباً من الجميع، قلَّ أن يعرفَه أحدٌ فلا يُحِبُّه، يعيش في محيط أعمامه وأخواله وبني عمومته، وكثيراً ما يكون في مهمةٍ لخدمةِ أحدهم، ومن أجملِ الكلمات التي تفرَّد بها مبارك، وتميز بها عن غيره إجابتُه وردُّه على من يناديه بكلمة ((لبيه))؛ فهو من أكثرِ الشباب في محيطة يستخدمها، وقلَّ أن تسمعَه يجيب من يناديه من أهلِهِ وذويه بغيرها، حتى لكأنها ماركةٌ مسجلةٌ باسم مبارك.
كنت أرتاح عندما أوصيه بإنجازِ أمرٍ ما؛ لعلمي بإتقانه للعمل، فكنتُ كلما أردتُ أن أبعثَ أحداً في حاجةٍ مهمة تذكرتُ قولَ الشاعر...
إذا كنتَ في حاجةٍ مرسلا ... فأرسِل حكيماً ولا توصِهِ.
فأنادي.. أين مبارك؟ ولو كان أبنائي كلُّهم حولي.
وكان من أدبه وحُسنِ خُلُقِهِ وانضباطِه قلةُ وقوعِهِ في الأخطاء، إلا أنه يبقى بشرا، ولذلك عندما يخطئ يتقبل العقابَ بصدرٍ رحب، ولا يحملُ في قلبِهِ على مؤدِبِه، وقد أُعاتِبه وأغضبُ عليه وأُعنِّفه في خطأ ما، فيقع قلمي على الأرض، فينزل إلى الأرض سريعا قبلي فيأخذُ القلمَ ويمسحه ثم يضعه في جيبي... فأصرف وجهي عنه وأذهب في الاتجاه الآخر.
من النادر أن يطلب مبارك نقوداً من أحدٍ حياءً وأدبا، وإن سألتَه أخبرَكَ بعدمِ حاجته، مع علمنا عن طريق الوالدة( الجدَّة) برغبته في بعض المال لشراء حاجةٍ ملِحة.
لقد كان مبارك أخاً لأبنائنا محباً لهم، وقـد بادلوه الحُبَّ وصادقوه، يبحثـون عنه ويجالسونـه كثيرا ويخدمونه، ويدافعون عنه، ويبينون لنا أموراً تخصُّهُ لم نكن نعرفُها قبل ذلك؛ لنعينه عليها.
حاولتُ في أحدِ الأيام وأنا اعتصر الذاكرة، وأسترجع الأحداثَ والمواقفَ الماضية، البحثَ عن موقفٍ واحدٍ فقط قال لي ( لا ) أو اعتذر عندما كنتُ أوصيه أو أبعثه في أمرٍ ما فلم أجد... بل إنِّي أظنُّ أنه لم يقلْ ذلك لأحدٍ من أقارِبِهِ وذوي رحمه وأصدقائه، بل حتى وهو مشغولٌ في أمرٍ يخصُّه يقول لمن يطلبه حاجة.. أبشر... سأنتهي عاجلا من عملٍ لديَّ وسأفرغ لك...
ما أجمل خدمةّ مبارك ونفعَه لنا جميعا.. والأروعُ من ذلك جمالُ روحِهِ وروعةُ ابتسامته.. يُشعِرُك بعد أداءِ مهمتِهِ من خلال قسمات وجهه... بأنك أنت المنعم المتفضل.
وانتهى مبارك من المرحلة الثانوية، وتهيأت له الفرصةُ للدراسة خارج حدودِ الوطن بعيداً عن الحضن الدافئ الذي كان له دائما كالحصن العالي، والدرع الواقي؛ الذي يرُدُّ عنه كلَّ سهامِ الدنيا، وقد مكثنا وقتا في إقناعِ الجدَّةِ بأهميةِ سفر مبارك، وأن هذه فرصة، قد لا تتكرر.. وتتوافق الجدة بعد إلحاح.
ويحين موعدُ سفر مبارك للمرة الأولى ورحيله عن جوار جدته، واسمحوا لي سأتجاوز وداعَ مبارك لجدَّتِهِ... وأدعُ التفاصيلَ لكم...لكني أُجمِلها لكم في قول الشاعر:
يعِزُّ عليَّ حينَ أُديـرُ عينِي ... أُفتِّشُ في مكانك لا أراكا.
وقولِ الآخَـر....
يا غائبينَ وفي الفـؤادِ لبعدِهِـم ... نارٌ لها بيـن الضُلوعِ ضِرامُ.
ويودع مبارك الجميع، وللحق فقد كنتُ أتمالكُ نفسي في مثلِ هذِهِ المواقف، لكن في وداع مبارك اختلف الأمرُ، فقد انهمرت الدموعُ بكثافةٍ لم تكن معتادة، لكنني قد غفرت لعينيَّ ما انهمر منهما، فالمسافر يستحق أكثر وأكثر...
إنِّـــي أُحِبُّــكَ أمــرٌ لا خفــاءَ بــــــه      فسلْ فـؤادِي تجِــدْهُ اليــومَ قـد نطقا
وسلْ عيونِي وكمْ في العينِ من لُغةٍ      تُبِينُ وجدَ الجوى فـي شوقِهِ احترَقا
وتمضي الأيامُ.. ويعود مبارك في كلِّ إجازة، ولا أخفيكم سِرَّاً أنَّ مبارك في أثناء عودته لوطنه كان الجميع يتسابق لإكرامه، ولا يرضى أحدٌ باعتذاره؛ محبةً له وتقديراً وإجلالا.
وفي إجازته الأخيرة قلَّ أن تجد مبارك في الخرج! وإن سألتَ عنه، قيل هو في الرياض لماذا؟ إنه الحُبُّ والوفاءُ في أسمى معانيه (فالحرُّ من راعى وِدادَ لحظة)، والوفاء صفة الرجال، وفريضة على الكرام... إنَّ الوفاءَ على الكريمِ فريضةٌ     واللؤمَ مقرونٌ بذِي الإخلافِ.
لقد كان أكثرَ وقته في الرياض بجوارِ الجسدِ الذي طالما احتضنَه، وقريباً من الروحِ التي طالما أحبتْه ُورافقته، وضحَّتْ من أجلِهِ، يسافر مبارك أغلبَ الأيامِ؛ ليكونَ قريباً من جدَّتِهِ التي تقيمُ في الرياض ِللعلاج من تعب ألمَّ بها(شفاها الله وعافاها).
وفي ظهر يوم الاثنين الموافق 24/11/1434هـ غادر مبارك وطنه من الرياض بعد أن بات ليلته الأخيرة قريباً من حضنِهِ الدافئ، وذكرياته الجميلة؛ بجوار جدته، سافر محاطا بالدعوات؛ ليمضي أشهراً قليلةً عاد بعدها إلى وطنه بعد أن أنهى مشوار دراسته، رجع في شهر رجب من عام 1435هـ، يحمل وثيقة تخرجه مع مرتبة الشرف.
لقد كان مبارك فيما مضى يسافر ويبتعد بجسده فقط... لكنَّ محبتَهُ تبقى في قلوبِ الكثيرِ، ويبقي ذِكرُهُ الحسنُ نردِّدُهُ كلَّما حضرتْ سيرتُهُ، يتبعه دعاءٌ صادقٌ، تُرفعُ به الأكفُ، وتَلهَجُ به الألسنُ... ويردد محبوهُ قولَ الشاعر...
وإن يكُ عن لقائِك غابَ وجهي ... فلـم تغِـبْ المـودّةُ والإخاءُ
ولم يغِـبْ الثّنــاءُ عليـــك منِّــي ... بظهرِ الغيبِ يتبعهُ الدّعاءُ
أيها الشامخ مبارك... وأنت تصعد سُلَّمَ الطائرة للمرة الأولى؛ لتخطو أولى درجات المجد يشرفني أن أقول لك مفتخرا بك... لقد كنتَ رجلاً في طفولتك وصِباكَ وشبابِك؛ عِشتَ رافعاً رأسَكَ شامخا، لم تهزُّك رياحُ الوحدة، وبُعْدُ الوالدين، ولم تنحنِ لأعاصيرِ الفقدِ والحرمان، بل لم تُلقِ لها بالا.
أيها الشامخ مبارك... لقد كنت رجلاً عندما لم تسمحْ لنفسك الأمارةِ باختلاقِ الأعذار لتأخذك بعيداً عن النجاحِ والتفوق؛ لتعيشَ حياةَ الكسلِ والإحباطِ والاختباءِ خلفَ أسوارِ الفشل، بل جعلتَ بُعدَك عن أغلى الناسِ لديك محفِّزاً؛ للرُقِيِّ صُعُدَاً في سُلَمِ المجد.
مبارك... إذا عُدتَ لوطنك فثِقْ بربك... واطمئن، فمثلك - نحسبك كذلك ولا نزكي على الله أحدا - سيحفظه اللهُ، ويفتح له أبوابَ الخير.. فلم أدخل المسجدَ يوما من الأيام إلا وأنت في روضتِهِ تتلو كتاب َاللهِ وتتدبر آياتِهِ، عندها أتذكر حديثَ المصطفى صلى الله عليه وسلم (ورجلٌ قلبُهُ معلقٌ بالمساجد).
مبارك... إذا عُدت لوطنك فثق بمولاك..  فقد كان الشبابُ من أقرانك وأصدقائك وبني عمومتك في شهر رمضان الماضي يُمضُون الليالي؛ يأنسون ويسهرون مع بعضهم فيما أباحه الله، وأنت تأنسُ بربِّك فيما يحبُّهُ الله؛ معتكفا العشرَ الأواخر في بيت الله... تدعوه وتناجيه، وتتلو كلامَه، وتسجد بين يديه.
شكرا مبارك... فقد علمتنا دروساً في الحبِّ والصبرِ والشموخِ والأنفة.
شكرا مبارك... فقد كنت إيجابياً مع نفسك وأهلِك وزملائِك وأصدقائِك.
شكرا مبارك... فقد علمتَنا الوفاءَ في أسمى معانيه؛ لقد كنت وفياً لمن أحبتْكَ واحتضنتكَ، وآثرتكَ ووهبتكَ جُلَّ حياتِها.
شكرا مبارك... فمثلُك يستحق أن يكونَ مثلا يُقتدى، وأُنموذجا يحُتذى.
شكرا مبارك... عندما جعلتَ المصطفى صلى الله عليه وسلم قدوتَك؛ فقد عاش حبيبُك صلى الله عليه وسلم بعيدا عن أمِّهِ وأبيه... فكان هو نبيَ الأمة، والرحمةَ المهداة للناس أجمعين.
وبعـــد... فما سبق من كلماتٍ وعبارات وجهتها لــ مبارك، وخاطبته بها، هي كذلك رسالة أوجهها وأخاطب بها الكثير ممن مرَّت به ظروفٌ مماثلة نقول لهم:
* اعلموا ن نافذةَ الأمل واسعةٌ أمامَكم، تُطِلُّ بكم على جمالِ مستقبلكم، وتستطيعون من خلالها أن تشمُّوا عبير التفوق، وعبق التميز؛ فقط... ثقوا بربكم.
* اعلموا أن اقتحامَ مجالاتِ الحياةِ بعزمٍ وإرادةٍ، ونفسٍ راضيةٍ هي البابُ الذي ستزلفون من خلاله لقطف ما ترونه من ثمرات يانعة في جوانب متعددة من حياتكم، من خلال نافذة الأمل الواسعة، وعندها ستتحقق - بإذن الله - جميعُ آمالِكم وطموحاتِكم.
ما أحوجنا إلى هذه النوعية الرائعة من الشباب المكافح، يُدخِلون البهجة والسعادةَ في حياتنا، ويزرعون البسمةَ في شفاهنا، ويمثلون القدوةَ الحسنةَ لأبنائنا...فقط نحبُّهم... ثم نحبُّهم، ونثقُ فيهم، ونفتحُ قلوبَنا لهم.
أخيرا....
فإنَّ في حياةِ الكثيرِِ من النَّاسِ...ابناً لم تلدْه زوجتُهُ... أو أخاً لم تلِدْه أمُّهُ ... أو صديقاً ضحى من أجلِهِ... أو أُمَّاً غير أُمِّهِ احتضنته... أو أباَ غير والِدِهِ رعاه ... وفي حياة الكثيرِ منَّا أسماءٌ شامخةٌ، لها بصمتُها التي لا تُنسى بمرورِ الزمن، وتعاقُبِ الأيام....
 لكن في حياتــــي أنا  يبقى مبارك ( ابني الذي أنجبته أُختي).


بقلم/
د. فهد بن منصور الدوسري